عندما حط أبونا آدم عليه السلام رحاله على البسيطة حاملا أمانة إعمارها, بدأت رحلة التكاثر والتنافس البشري بنظرياته المختلفة والتي قد لا تعني المثالية في كثير من الأحوال. لذا لم تكن الخطيئة الأولى بأبعادها التنافسية بين أبناء آدمَ التي رسمت معالمَها أحْرُفُ القرآن إلا نتاجَ الحسد. لم يهتمَ القرآن بأسماءِ الشخصياتِ ولا المكانِ الذي سُكبت عليه دماءُ أحدِهما بقدرِ ما اهتمَّ بسببِ إزهاقِ أولِ روحٍٍ بشريةٍ (سورة المائدة 27-31). ورغمَ ملحمةِ الغرابِ ومواراتِهِ لسوءةِ المقتولِ وحصولِ الندم من القاتل,, استمر الحسدُ يتغلغلُ في نفوسِ البشرِ ليحرقَها ويحصدُ ما حولها ظلما. يقول ابن كثير(تفسير القرآن العظيم 2-39-40) عن الآيات آنِفة الذكر" فقتلهُ بغياً وحسداً له فيما وهبه الله من النعمة". وقال القرطبي" الحسدُ أول ذنب عُصي به الله في السماء وأول ذنب عُصي به في الأرض" (الجامع لأحكام القرآن-20/177).
والحسدُ كما ورد في الوسيط ("مادة حسد" ،1 /178) يقال حسده ،يحسدُه، وحسَّده: إذا تمنى أن تتحولَ إليه نعمتُه وفضلُه، أو يسْلُبهما والحسُودُ من كان طبْعُهُ الحسد ذكراً كان أم أنثى. والجمع حُسَّد، وحُسَّاد، وحَسَدَة. والمحسدة: ما يُحْسَدُ عليه الإنسان من مال أوجاه. وزاد ابن دريد وتدعى الأنثى حَسود. ويقول ابن السّكيت الغّبْط هو أن يتمنى ماله على أن لا يتحول عنه، غَبَطْته أغبِطه غَبْطاً. أمّا أبو عُبَيْد فيرى أنّ الغَبْط هو الحسد بذاته ( المخصص - (ج 3/ص190)). وفي فصلِ الحَسَد في كتاب نجعةِ الرائد وشِرعة الوارد في المترادف والمتوارد - (ج 1 /ص231) بين القوم محاسدة أي منافسة ومشاحّة وقد فشى بينهم داء الحسد وسرى بينهم داء الضرائر ودبت بينهم آكلة الأكباد. وتقول هم ضلْعٌ على فلان بالحسد أي كشفوا له وجوه المنافسة ونصبوا له الحبائل وتربصوا به الدوائر.
ويبدو أنّ الحسدَ ظاهرةٌ نفسيةٌ يصعبُ تجاهلها، وأيضا يصعب تقريبها للعقل البشري وقد اُخْتُلِفَ في تفسير تأثيرها عن بُعد في الدين الواحد إن لم يكن المجتمع الواحد، ولكن يظل المعتقد الشائع أنّ الحاسد يملك قوًى خارقة تمكنه من إلحاق الضرر بالمحسودين سواء كانوا أناساً، أو حيواناتٍ أو نباتاتٍ أو حتى جماداً بمجرد نظر الحاسد إليه أو حديثه عنه، سواء كان مدحا، أو إعجابا، أو كان مجرد وصفٍ له أو تقريرٍ لهيئته وشكله. والغريب رغم اختلاف تأويلات كيفية تأثيره يظل الحسد بأسراره وعجائبه من أبجديات "منطق الطير" فالحسد إن صح وصفه "المرض النفسي" الوحيد الذي لا يزول بإزالة أسبابه وهو الوحيد الذي لا يُعالج "فاعلة" بل "مفعولة" (مفاهيم إسلامية - (ج 1 / ص 127). بينما يقول الاصمعي"الحسد داء منصف يعمل في الحاسد أكثر مما يعمل في المحسود" (الحسد للشيخ الجبرين ص 10) ويقول الشيخ الشعراوي "الحسد هو اعتراض من الحاسد على إرادة الله في أن يهب نعمه لمن يشاء وهو نوع من الكفر" (معجزة القرآن-3/339-340)
وقد تحدثت الكتب المقدسة عن ضرر العين فقد ورد فى إنجيل متى (20:17) أو ما يحل لي أن أفعل ما أريد، إنّ عينك شريرة لأني صالح ".
أما في الفكر الإسلامي، "ففي كتابه الحيوان الجزء الثاني" علل الجاحظ الإصابة بالعين بأن لكل حادثٍ سببا، وما دامت الإصابة لا سبب لها سوى رؤية العين، فينبغي التصديق بأنّه قد انفصل شيءٌ من عين العائن فأصاب المعيون، و"في زاد المعاد" يحشد ابن القيم الأحاديث التي تتعلق بهذا الموضوع سواء كانت تخبر عن الإصابة بالعين أو تصف طريقة علاج المحسود، ثم يُعَنّفُ من ينكر الإصابة بالعين بقوله "أبطلت طائفة ممن قلّ نصيبهم من السمع والعقل أمر العين، وقالوا إنما ذلك أوهام لا حقيقة لها وهؤلاء من أجهل الناس بالسمع والعقل، ومن أغلظهم حجابا، وأكثفهم طباعا، وأبعدهم معرفة عن الأرواح والنفوس وصفاتها وأفعالها وتأثيراتها "ويقول إن الحسد ليس حالة نفسية تصيب المحسود فقط، بل للعين آثارٌ ضارة تصيب المعيون، وأن العائن قادر على إماتة الأحياء، وقد زاد ابن القيم بأنّ نفس العائن لا يتوقف تأثيرها على الرؤية ، بل بالوصف أيضا وإن لم يره .
ورغم ورود كلمة "الحسد" في القرآن الكريم في أربعة مواضع (البقرة:109 ، النساء:54، الفتح:15 ، الفلق:5) كما وردت ألفاظ تتضمن معنى الحسد في آيات أخرى (البقرة:90، 213 ،آل عمران:19 ، الشورى:14 ، الجاثية 17) إلا أن مُنْكِرِي تأثير عين الحاسد في المحسود يؤولون ما ورد في قوله تعالى "ومن شر حاسد إذا حسد" )الفلق:5( ، فقيدوا الاستعاذة من شر الحاسد بوقت: "إذا حسد"؟ وأن الضرر لا يأتي من العين مباشرة، بل من عمل الحاسد، حين يدفعه حسده إلى إلحاق الضرر بالمحسود، وقد أيّد هذا التأويل الحارث المحاسبى في كتابه " آداب النفوس" حيث بيّن أن المحسود لا يلحقه الضرر من عين العائن، ولا يصيبه شيءٌ من الحاسد إلا إذا تجاوز الحسد القلب إلى الجوارح. بينما يفسر هذه الآية الألوسي بأنّ الحاسد قد يضر المحسود بالقول والفعل (التفسير الكبير- 32/195) ويرى منكروا تأثير العين المباشر أنّه قد نُسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث تخبرعن أثر الحسد بسند ضعفيف ناهيك عن تناقضها مع مبادىء الإسلام وتعاليمه، مثل الحديث (إن العين لتدخل الرجل القبر والجمل القدر)، إذ لم يرد "على حد قولهم" هذا الحديث فى أى من كتب الحديث التسعة رغم ذكره في الجامع الصحيح للسيوطي.
لكن الأهم من ذلك لم يتطرق المنكرون لبعض الأحاديث المتفق على صحتها والتي ذكرت أثر العين المباشر فقد روى مسلم في صحيحه(2187) عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "العَيْنُ حَقٌ، وَلَوْ كانَ شَيْءٌ سابَقَ القَدَرَ سَبَقَتْهُ العَيْنُ، وَ إِذَا اسْتُغْسلْتم فاغْسِلُوا". وجاء في صحيح أبى داود (3286) عن عائشة قالت كان يؤمر العائن فيتوضأ ثم يغتسل منه المعين ، وفي صحيح الجامع (556) روى مالك أن عامر بن ربيعة رأى سهل بن حنيف يغتسل، فقال واللَّه ما رأيت كاليوم ولا جلد مخْبأة .قال: فلَبِط سهل، فأتى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عامرا فتغيّظ عليه وقال " علام يقتل أحدكم أخاه، ألا برّكت، اغتسل له " فغسل له عامر وجهه ويده ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه داخلة إزاره في قدح، ثم صب عليه، فراح مع الناس". وهنا يعلق ابن القيم على أماكن الاغتسال الواردة في الحديث بقوله " إنّ المغابن والأطراف وداخل الإزار هذه المواضع للأرواح الشيطانية بها اختصاص" (زاد المعاد_4/163).
أما الأمام أبو حامد الغزالي فقد تناول في كتابه " إحياء العلوم" الحسد حيث صنفه من أمراض القلوب وأنه لا ضر فيه على المحسود في الدنيا والآخرة إذ يقول أنّ النعم لا تزول بالحسد، بل بما قدره الله تعالى وأنّ كل شيءٍ عنده بمقدار، ولكل أجل كتاب، ولو كانت النعمة تزول بالحسد لم يبقِ الله نعمةً على أحد من خلقه، ولا نعمة الإيمان أيضا لأن الكفار يحسدون المؤمنين على الإيمان، قال تعالى "وَدَّ كَثيرٌ مِن أَهْلِ الكِتابِ لَو يَرُدُونَكُمْ مِّنْ بَعْدِ إِيْمَانِكُمْ كُفَارا حَسَداً مِن عِندِ أَنفُسِهِم" البقرة 106. وربما لا تَعَارُض بين رؤية الإمام الغزالي وما قاله النبي صلى الله عليه وسلم "أكثر من يموت من أمتي بعد قضاء الله وقدره بالعين" صحيح الجامع للألباني (1217). ورغم أنّ البعض استدل بهذا الحديث على كثرة وجود الحسد وخطورته فيقول الشيخ عبدالله السدحان" العين هي السبب الغالب لكثير من أمراض الناس وغيرها استثناء" (كيف تعالج مريضك بالرقية الشرعية؟ ص 40-41) إلا أن الشيخ عائض القرني في مقالته ضحايا الوهم (الشرق الاوسط/ 10675 ) يرى أنّ اتهام العين والحسد أصبح ظاهرة ووهماً ووسواساً في المجتمع الإسلامي حين يقول "فالشافعي وابن تيمية وابن خلدون وابن رشد وسقراط وانشتاين ونيوتن أجبروا التاريخ على أن يخلد أسماءهم، ولم يشتكوا من الحسد والعين"
أما الشيخ ابن عثيمين يرى أنّ الحسد هو مجرد أن يكره الإنسان ما أنعم الله به على غيره سواء تمنى زواله أم لا. والحسد كما ذكره ابن عثيمين (العلم للعثيمين) موجود في جميع النفوس وأنّه اضطراريٌ للنفس ولكن جاء في الحديث " إذا حسدت فلا تبغِ، وإذا ظننت لا تحقق" (ضعيف الجامع/2527) يعني أن الإنسان يجب عليه إذا رأى من قلبه حسدًا للغير ألا يبغي عليه بقول أو فعل، فإن ذلك من خصال اليهود الذين قال الله عنهم " أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا" (النساء الآية :54).
أما الحسد بلفظ النظرة أو العين فلم يرد في القرآن ولكنه ورد في السنة الشريفة والعين كما يعرفها ابن القيم (زاد المعاد ص 149) النظر باستحسان أو ببغض فتنبعث جواهر لطيفة غير مرئية من عين العائن لتتصل بالمعيون فيحصل الضرر ولا يتوقف تأثيرها على الرؤية، بل قد يكون أعمى، فيوصف له الشئ ، فتؤثر نفسه فيه، وإن لم يره.
والعين مأخوذة من عان يعين إذا أصابه بعينه، وأصلها من إعجاب العائن بالشيء ثم تتبعه نفسه الخبيثة فتستعين على تنفيذ سمها بنظرها إلى المعين ويرى ابن القيم أنّ كل عائن حاسد وليس كل حاسد عائنا فلمّا كان الحاسدُ أعم لذا الاستعاذة منه استعاذة من العائن. وسهام نفس الحاسد والعائن تخرج نحو المحسود والمعين فتصيبه تارة وتخطئه تارة، فإن صادفته مكشوفا أثّرت فيه وإن صادفته متحصنا لم تؤثر فيه وربما ردت السهام على صاحبها. بالجانب الآخر استدل بعض أهل العلم من حديث "العين حق ويحصرها الشيطان وحسد ابن آدم " (مجمع الزوائد 5/110) أن حقيقة العين ليس شعاعا ولا سهاما إنّما شيطانٌ يحضرُ وصف العائن ثم ينتقل للمعيون فيؤذيه بمس جزئي أو كلي والحديث المذكور ورد في السلسلة الضعيفة للألباني (2364). ويدلِلُ ابن القيم على العين وأثرها بقوله تعالى "وإِن يَكَادُ الذين كفروا لَيُزْلِقُونَكَ بأبصارهم لمّا سمِعوا الذكر ويقولون إنَّه لمجْنون وما هو إلاّ ذكر للعالمين" القلم 51-52 فقد قال جماعة من المفسرين أي ليصيبوك يامحمد بأعينهم ويصرعونك ويزيلونك (تفسير البغوي ج1 ص 201 ( وقد ذكر تأويل مماثل في تفسير الكتاب العظيم لابن كثير (1/146). بينما يرى ابن قتيبة والزَّجَاج ليس المراد أنهم يصيبونك بأعينهم كما يصيب العائن بعينه ما يعجبه، وإنما أراد أنّهم ينظرون إليك إذا قرأت القرآن نظرا شديدا بالعداوة والبغضاء ، يكاد يسقطك . وهذا مستعمل في [ كلام العرب ] يقول القائل : نظر إليَّ نظرا يكاد يصرعني ، ونظرا يكاد يأكلني (تفسير البغوي سورة القلم).
وقد فرَّق ابن القيم بين العين والحسد بأن العائن قد يصيب من لا يحسده وربما أصابت عينه نفسه. قال المناوي قد تصيب الإنسان عين نفسه وذكر أن سليمان بن عبد الملك نظر في المرآة فأعجبته نفسه فقال كان محمد صلى الله عليه وسلم نبيا وكان أبو بكر صديقا وكان عمر فاروقا وعثمان حبيبا ومعاوية حليما ويزيد صبورا وعبدالملك سائسا والوليد جبارا وأنا الملك الشاب فما دار عليه الشهر حتى مات ( فيض القدير-2/376). وأضاف الحافظ ابن حجر في فتح الباري (10/215) " إنّ العين تكون مع الإعجاب ولو بغير حسد ولو من الرجل المحب ومن الرجل الصالح" مدللاً بإعجاب الصحابي عامر بن ربيعة بِجِلْدِ سهل بن حنيف ومرض الأخير.
ولا يرى ابن حجر ثمة تعارض بين قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (لاحسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله مالاً فسَلَّطَه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها ) (الجامع الصحيح 7316) وبين قول عليه السلام (إيّاكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولاتدابروا وكونوا عباد الله إخواناً) (المسند الصحيح 2563 ) حيث قال ابن حجر "وأمّا الحسد المذكور في الحديث الأول فهو الغبطة، وأطلق الحسد عليها مجازا، وهي أن يتمنى أن يكون له مثل ما لغيره من غير أن يزول عنه، والحرص على هذا يسمى منافسة حميدة، فكأنه قال في الحديث لا غبطة أعظم أو أفضل من الغبطة في هذين الأمرين". ويقول الألوسي "ويُطلق الحسد على الغبطة مجازا وكان ذلك شائعا في العرف الأول" (روح المعاني تفسير سورة الفلق).
وقد قسّم ابن القيم العين إلى ثلاثة أقسام الإنسية والجنية والحيوانية. فالأعين الإنسية قد تكون بسبب حاسة النظر أو بغيرها من الحواس كالسمع واللمس والشم والتفكر والوصف والتي تكون بدورها أدوات تصور لتلك النفس ولتلك الروح.
ثانياً العين الجنّية تقع من الجـن ففي صحيح البخاري (5407) عن أم سلمة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في بيتها جارية في وجهها سفعة ، فقال " استرقوا لها ، فإن بها النظرة قال الحسين بن مسعود الفراء : وقوله : سفعة . أي نظرة ، يعني : من الجن. وعن أبي سعيد رضي الله عنه أنّه "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوذ من عين الجان ثم أعين الإنس فلما نزلت المعوذتان أخذهما وترك ما سوى ذلك" ( صحيح ابن ماجه 2846). قال الرسول عليه السلام "إن العين لتولع بالرجل بإذن الله تعالى حتى يصعد حالقا ثم يتردى منه" (صحيح الجامع 1681 ). قال المناوي مفسرا الحديث إن العين أي عين العائن من الإنسان أو الجان (فيض القدير -2/376).
ثالثاً أعين الحيوانات فبعض الحيوانات تصيب الناس بأعينها ونظرها وتؤثر وقد تقتل بها ، قال الإمام ابن القيّم [وهذا أمر قد اشتهر عن نوع من الأفاعي أنها إذا وقع بصرها على الإنسان هلك ، فمنها ما تشتد كيفيتها وتقوى حتى تؤثر في إسقاط الجنين ، ومنها ما تؤثر في طمس البصر، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الأبتر[ذنبه قََصِير] وذي الطُفيَتين[على ظهره خطَّين أسودين] من الحيات " إنهما يلتمسان البصر(تعمِي)، ويسقطان الحبل"(الجنين) (سنن الترمذي 1403) وقد روي عن ابن عباس أنّ الكلاب من الجن وهي بقعة الجن فإذا غشيتكم فألقوا لها بشيء فإنّ لها أنفسا يعني أعينا" (التمهيد ج 14 ص229 ).
ورغم الاختلاف في تأويل أثر العين المباشر في المعيون أو تفسير كيفية الضرر من الحسد المباشر من بُعد ..... يظل الحسدُ حقيقةٌ ثابتة فيقول محمد البهي ( إذا قرأنا قوله تعالى "ومن شر حاسد إذا حسد" وجب علينا أن نؤمن بالحسد وبأنه مصدر شر وأذى للإنسان أما كيف يوجد ؟ وكيف يصل شره من الحاسد إلى المحسود فلم يستطع الإنسان حتى الآن أن يكشف عنه كما كشف عن المادة في المختبر والمعمل) ( على مائدة القرآن ص 316). والحقيقة أنّ الأبحاث العلمية العملية شحيحة جدا في مجال أثر العين وقوتها الغير مباشرة. إلا أنّ هناك أبحاثاً تطرقت إليها حديثا وخصوصا في القرن التاسع عشر الميلادي. فقد قام مدير معهد النفس الديني بطوكيو بدراسة العلاقة بين الطاقة والنفس فوجد أن هناك مجموعة من الناس تزداد فيهم نوع من الطاقة ولاحظ أن لهم خصائص معينة وتبين له أنهم منطوون على أنفسهم وكثيرو التأمل العقلي وهذه التأملات تساعدهم على تنمية بعض البؤرات الموجودة في أجسامهم وهذه البؤرات عندما تنشط بالتدريج تستطيع أن تخرج الطاقة فتنفذ وتصل إلى الآخرين. وقد وجد بؤراً من الطاقة على امتداد العمود الفقري للإنسان، وأن البؤرة التي توجد بين العينين هي أقوى أنواع البؤر وهي البؤرة التي تخرج منها الطاقة، أما الأخرى فهي ضعيفة. وهذا البحث ربما قادنا للإبحار في عالم الطاقة.
فهناك مصادر كثيرة للطاقة، متجددة أو غير متجددة، منها الشمس والنجوم، الرياح، الماء وحتى الوقود. فبدون الطاقة ستنعدم الحياة على هذا الكوكب .فالكائنات الحية تحتاج الضوء أو الحرارة للعيش. والطاقة تختلف مسمياتها من ثقافة إلى أخرى ومن بلد إلى آخر ففي الهند يطلق عليها اسم برانا أما عند الصينيون فتسمى تشي. والطاقة كما هو معروف تتشكل في أشكال عديدة حرارية وميكانيكية وصوتية وضوئية وكهربية ومغناطيسية. والطاقة التي سنتحدث عنها هي الناتجة عن الموجات الكهرومغناطيسية والتي تمتاز عن باقي أنواع الموجات المنتجة للطاقة بكونها تنقل الطاقة من مكان إلى آخر بدون إزاحة جزيئات الوسط بشكل دائم أي أنه لا تنتقل أي كتلة مع انتقال الموجات الكهرومغناطيسية ولكن جزيئات الوسط تتحرك بشكل متعامد ومواز لاتجاه حركة الموجة حول موقع ثابت. وتنتشر الموجات الكهرومغناطيسية في الفراغ أي دون تواجد وسط مادي ويعتبر الضوء وموجات الراديو وأشعة إكس وجاما أمثلة للموجات الكهرومغناطيسية وهي تختلف بحسب اختلاف طولها الموجي. لذا الذي تراه العين يمثل شريحة ضيقة فقط من الطاقة الموجودة في الكون وهو الذي يُحدث فينا جُل التـأثيرات الحيوية ولكن هذا لا يعني عدم تأثر الاجسام البشرية بالأطوال الموجية الأخرى غير المرئية أو الغير ُمقاسة التي تسقط عليها. ومن أنواع الطاقة اللامرئية طاقة الأرض وهى طاقة كهرومغناطيسية تحيط بكل الكوكب أو ما يسمى بالمجال المغناطيسي للأرض، ولهذا المجال المغناطيسي ذبذبات أو موجات قابلة للقياس تسمى موجات شومان.
وقد قام د. روبرت بك العالم الفيزيائى ببحث لمعرفة ولتحديد العلاقة أو الارتباط المتبادل لهذه الموجات المغناطيسية ونماذج موجات دماغ المعالجين الذين يستخدمون الطاقة للشفاء أو للعلاج وقام باختبار أكثر من نوع من المعالجين وذلك لاختلاف طرقهم. وقام بقياس هذه الموجات أثناء الجلسة العلاجية، واكتشف أنّ موجات دماغ المعالج كانت تتردد بنفس تردد موجات المجال المغناطيسي للأرض أو موجات شومان بغض النظر عن طريقة العلاج المتبعة واستنتج أنّ المعالج كان له القدرة على أن يستمد من طاقة الأرض الكهرومغناطيسية ويستخدمها في الجلسة العلاجية. أما د. أندريا بهاريتش فقد قام ببحث آخر، حيث وجد أنّ النبض المغناطيسي الذي يصدر من يد المعالج كان له نفس تردد موجات شومان. ووجد أنّه كلما زادت الذبذبات كلما كان التأثير العلاجي أكبر.
ولذا تمتاز الطاقة الناتجة من الموجات الكهرومغناطيسية بأنها لا تٌفنى وقابلة للتحول والتغير ولا يوجد لها خاصية زمان ودون أبعاد ولانهائية. وقد أثبت العالم آينشتاين أنّ المادة التي نراها بأعيننا ونمسكها بأيدينا تشغل في هذا الكون مكانًا أو حيزًا، لكنها قد تتخلى عن صفات التحيز والتجسيد هذه وتتحرر من قيودها وتحديد مكانها بحيز معين في الفراغ وتنطلق على هيئة طاقة، أو موجات تتحدى قيود المكان والزمان. وكان من نتاج هذه الطاقة صناعة القنبلة النووية. واسترسل في نظريته بأنّ هنالك سرعة معينة تتحول بعدها الأجسام إلى طاقة وتتخلى عن شكلها المادي ! وهي تحديداً سرعة الضوء والتي تقدر بالتقريب ثلاثمائة ألف كيلومتر في الثانية.
وفي كتاب hands of light للمؤلفة باربرا آنا برينان تقول أنّ مجال الطاقة الكونية مخترق ومتغلغل في كل مكان وكل الأجسام المتحركة منها أو الثابتة وأنّ الطاقة الكونية أساسية في حياتنا فهي تحيط بنا من الخارج وتتغلغل في أجسامنا من الداخل وحتى نقوي أجسامنا نحتاج لإدخال الطاقة الكونية وطاقة الأرض. وترى أنّ هاتين الطاقتين يتم امتصاصهما في أجسامنا من خلال مراكز تدعى تشاكرس ومن ثم توزع لكل خلايا الجسم. وتقول أنّ هناك هالات من الضوء تحيط بالإنسان هي مجال طاقة الإنسان وهي في تغير مستمر مع الحركة والنمو والتطور وهي في حالة سيولة وغير ثابتة. وقالت أنّ الطاقة الكونية تربط وتوصل كل الأجسام بعضها ببعض وتتدفق من جسم لآخر. وذكرت المؤلفة تجربة الباحث الروسي سيميون كيرليان الذي اكتشف كاميرا كيرليان التي تستطيع تصوير الصور ذات الطابع الكهربائي وهي عبارة عن تقنية تصوير الأجسام الحيّة في حالة من التردد العالي والجهد الكهربائي العالي حيث تمكن الباحث من تصوير ورقة شجر بعد قطع جزء من الورقة وتبين بالصورة أن الورقة كاملة حتى بعد قطع الجزء .
الدكتور ريتشارد قيربر في كتابهViberational medicine تطرق لبحث أجراه أخصائي تشريح الأعصاب هارلد بر عن هالات المجال الكهرومغناطيسي الذي يحيط على الحبل الشوكي ومتصل بالدماغ في أنواع من السحالي تسمى سالمندر.
يتضح لنا من الأمثلة السابقة أنّ الطاقة الكونية والطاقة التي حول الكائنات الحيّة ربما كانت جزء من الحقيقة. وأيضا الطاقة الشخصية الكامنة في الإنسان هي نوع آخر من أنواع الطاقة الكهرومغناطيسية. فقد ذكرت وكالة ناسا لأبحاث الفضاء في مقالة لها بقلم الكاتب جورج نكوثان بأنّ الجسم البشري عبارة عن كائن كهربي يتأثر بالطاقة المغناطيسية ومن المعروف أنّ خلايا الجسم البشري واحدة من أهم مكوناتها هو الحامض النووي الذي يتأثر بالحقول السالبة والموجبة كما أنّ الخلايا الحية و الثابتة التكوين تعيد تجديد نفسها بمعدل مليون خلية كل ثانية، والقوة التي تنشّط عملية الانقسام بهذه الخلايا و تشرف على تكوين وتنظيم عملها بالإضافة إلى وظائف الأنسجة وحمايتها, هذه القوة عبارة عن تيار مغناطيسي. فجسم الإنسان نفسه يطلق طاقة كهربائية مقدارها 84 واطاً في حالة الاسترخاء , وعشرة أضعاف هذه الطاقة في حالة النشاط العقلي. وجزء كبير من هذه الطاقة يشّع من الجسم على هيئة موجات كهرومغناطيسية. وقد أثبت العلم الحديث أنّ خلايا الإنسان المجهريّة تتحرك وتتناغم بترددات كهرومغناطيسية واستطاع من إثارتها إنتاج حقول كهرومغناطيسية تم تصويرها وهي ما تعرف الآن في المجال الطبي باسم الأشعة المغناطيسية. فالحقيقة كما تبدوا أنّ الإنسان محاط بهالة هي عبارة عن إشعاعات ضوئية يوّلدها الجسد، وهي تغلفه من شتى الجهات، وهي ذات أشكال، وألوان متداخلة فيما بينها مثل ألوان الطيف هي بمثابة سجل طبيعي تدوَّن عليه رغبات الإنسان وميوله، وعواطفه وأفكاره، ومستوى رُقيّه الخلقي والفكري والروحي. كما تنطبع عليه صورته الصحية لأنها تتأثر بأسقام الجسد وعلله وآلامه من جهة الألوان الصادرة عنها، وشكلها وما تتعرض له من اضطراب.
وأمّا ظاهرة تأثير الطاقة الجسمية على الأجسام الأخرى فتعرف باسم سيكوكينسيس وكل شخص ربما كانت له القدرة على استخدام الطاقة الشخصية. فعلى سبيل المثال إذا كنت منجذباً لشخص ما دون سبب واضح فهذا معناه أنّكَ منجذب لطاقته لأنّ الطاقات المتشابهة تتجاذب وربما كان في حديث الرسول عليه السلام (الأرواح جنودٌ مجَنّدة ما تعارف منها ائتلف وما تنافر منها اختلف) "صحيح مسلم 6376 " إشارة لهذه الطاقة الشخصية بين الأرواح. عيادة المريض أيضاً مثال آخر فطاقة المريض بصفة عامة تكون طاقة منخفضة وبالتالي فإنها سوف تسحب من طاقة الزائر بشكل غير متعمد لرفع طاقتها وقد حث الإسلام على زيارة المريض كما في حديث ثوبان مرفوعًا " إنّ المسلم إذا عاد أخاه المسلم لم يزل في خرفة الجنة " (رواه مسلم في كتاب البر برقم 2568) وانظر إلى الإمام الشافعي يبين أثر عيادة المريض حسب مفهوم تبادل الطاقة رغم عدم معرفته بها
مرض الحبيب فعُدْته.. ... ..فمرضت من حذري عليه
فأتى الحبيب يعودني.. ... ..فشُفيت من نظري إليـه
وللجسم مراكز أساسية للطاقة وهي تقع في مواضع في الجسم هي الجذر والجذع والصرة والقلب والبلعوم ومنطقة ما بين العينين والدماغ كما تتصل هذه المراكز باثني عشر مساراً داخل الجسد ودور هذه المسارات إيصال الطاقة إلى كل جزء من أجزاء الجسم على شكل أنماط اهتزازية تقول الكاتبة والباحثة الإنجليزية والصحافية التي جمعت دراسات في مجال الطاقة لين ماكتاجارات أنّ الإلكترون يلف حول النواة بعكس مدار الساعة ولما نظروا في دوران وحركة الجزيئات الصغيرة في النواة توصلوا إلى حقيقة مذهلة حيث أنها تتحرك يميناً أو شمالاً أو بدوران بحسب فكرة الباحث حيثما توقع تسير. ولذلك خلصوا من أن الفكرة تؤثر في حركة الجزيئيات الداخلية في النواة، وبالتالي فإنّ الفكرة بقوتها قد تؤثر في النواة، وإذا كانت أقوى أثرت بالذرة، وإذا كانت أقوى أثرت بالبيئة المليئة بالذرات، كما يحصل للنفس الحاسدة أوالعين أو التخاطر أو الكشف أو السحر أو الإلهام أو غيرها، وكل هذه الأمور ولعل أعجب القدرات على اختراق المادة بالنفس امتلكها الشاب ماثيو مانينغ من قرية لينتون قرب مدينة كامبردج فقد كان باستطاعته طوي الملاعق والسكاكين وتغيير شكلها بمجرد النظر, كان ينظر إلى عقارب الساعة فيوقفها عن الحركة, و يستطيع إيقاف التيار الكهربائي, و ثبتت لديه القدرة على التأثير في سريان الدم في الأوعية و الشرايين و كذلك التأثير على مرض السرطان.
أما أكثر التجارب توثيقا علميا، فهي التجربة التي أجريت على نيليا ميخايلوفا التي كان باستطاعتها و بمجرد النظر من على بعد ستة أقدام أن تفصل بياض البيضة عن صفارها عن بُعد بمجرد النظر.
وقد أجريت هذه التجربة وسط حشد من العلماء بجامعة ليننجراد، و باستخدام آلات التصوير والعديد من الأجهزة التي تقيس العلامات الحيوية وأنواع الإشعاعات التي تسود المخ أثناء التجربة ولقد كان اكتشاف حالة السيدة نيليا كان بفضل العالم البيولوجي إدوارد فاموف, الأستاذ بجامعة موسكو والذي أعدّ دراسات على قدراتها و ذلك باستخدام عيدان الثقاب التي تستطيع نيليا تحريكها بتمرير يدها عليها وهي مبعثرة على طاولة ثم باستخدام لوح زجاجي بين يديها و بين عيدان الثقاب.
فمما سبق يظهر لنا قوة تأثير العين بإرسال طاقة ذات موجات لتصيب المعين تطرق إليها العلم الحديث وان كان على خجل.
أمّا عن لماذا أمرنا الرسول عليه السلام بالاغتسال بماء العائن فقد أورد الدكتور خمساوي احمد الأستاذ في جامعة الأزهر تفسيرا علميا بقوله " في حالة اغتسال العائن نجد أن العائن إذا ذُكّر بخطئه وتذكر وطلب منه أن يغتسل فإنّ نيته تتغير وتصدر عنه موجة غير الأولى فلما مرَّ ماء الوضوء على وجهه حمل هذه الطاقة بهذه الشفرة الجديدة فيصلح الجزء المصاب من الإنسان المحسود" والعجيب كما يقول "أنّ الحديث طلب من العائن أن يغتسل أو يتوضأ بينما طلب من المعين أن يغتسل وذلك لأن البؤرة في العائن محددة ومعروفة بينما الجزء المصاب في المعين غير معلوم".
وسبحان من أحاط بكل شيء علما
عبدالإله مذكور

إرسال تعليق